محمد محمد أبو موسى
377
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد يراد بالنهى عن الفعل الاستمرار على الحال التي عليها المخاطب وذلك إذا كان المخاطب غير متصف بالمنهى عنه كما في قوله تعالى : « لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ » « 278 » يقول الزمخشري : « فيه وجهان . . . والثاني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله : « وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » « 279 » ، « فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ » « 280 » وهذا في النهى نظير قوله في الأمر : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » « 281 » ، « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » « 282 » وهذا الأسلوب نفسه الذي نهى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن أفعال لا يجوز عليه التلبس بها يلحظ الزمخشري فيه معنى الالهاب والتهييج والإثارة لشدة التمسك بما هو عليه . يقول في قوله تعالى : « لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ » « 283 » : « فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك ، والتكذيب بآيات اللّه ، ويجوز أن يكون على طريقة التهييج والالهاب كقوله : « فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ » « 284 » ، « وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ » « 285 » ولزيادة التثبيت والعصمة » . وقد يعمد البليغ إلى صورة من صور الفعل فيسلط النفي عليها ومراده النهى عن الفعل بصوره كلها الا أن هذه الصورة التي اختارها البليغ أقبح صور الفعل وأبغضها عند النفس فاستجابة النفس إلى الكف عنها أطوع وأسرع ، وقد تنبه الزمخشري إلى هذه الطريقة في آيات القرآن التي يراد فيها مواجهة النفس الانسانية برذائلها المنفرة وتصوير هذه
--> ( 278 ) آل عمران 196 ( 279 ) الأنعام : 14 ( 280 ) القلم : 8 ( 281 ) الفاتحة : 6 ( 282 ) الكشاف ج 1 ص 352 . ( 283 ) يونس : 94 ، 95 ( 284 ) القصص : 86 ( 285 ) القصص : 87